الآخر في الصحافة العربية

السنة : 201031

كيف تبدو صورة الآخر في الصحافة العربية؟

 

 

هذا هو السؤال الرئيس، الذي حاولت الأبحاث المرفقة، الإجابة عنه من خلال دراسة عدد من الصحف في كلّ من فلسطين، لبنان، اليمن، السودان، مصر والجزائر. سؤال يستدعي تحديد هوية هذا الآخر الذي نبحث عن صورته. قبل الاطلاع على مضمون الدراسات، لم تكن الاحتمالات كثيرة، بل ربما كانت واحدة تحت عناوين مختلفة. نعرف، أن الآخر هو المختلف فكرياً وحضارياً عنا.

هذا ما اعتدنا قراءته في الكثير من الدراسات التي كانت تشير إلى الغربيين والمستشرقين، في معرض الحديث عن الآخر. وهو، في حال العداء، قد يكون مختلفاً سياسياً عنا، ليس في وجهات النظر، بل في الموقع الذي يجعل منه محتلاً وغاصباً لحقوق الشعوب. بناء عليه، يمكن في محاولة تحديد الآخر، أن تذهب الأفكار إلى الغرب أولاً، وإلى عدو العرب المعلن: إسرائيل ثانياً. 

لكن المفاجأة كانت أن الآخر في الدول التي أجريت فيها الدراسات، كان بالدرجة الأولى، الشريك في المواطنة. ابن البلد ذاته، الذي تختلف معه الصحيفة في السياسة، الدين، الفكر... وطبعاً في وجهات النظر.

 

يمكن القول إن وصف هذه النتيجة بالمفاجأة، غريب على صحافية تعمل في لبنان، الدولة التي شهدت انقساماً سياسياً حاداً وغير مسبوق في السنوات الخمس الأخيرة. وهي الدولة التي شهدت وسائل إعلامها حرباً كلامية عنيفة، اتفق كثير من الباحثين على وصفها بالحرب الأهلية غير المسلحة. على الرغم من ذلك، يبقى من المفيد تكرار القول إن النتيجة كانت مفاجئة، خصوصاً إذا انطلقنا من فهم علم الاجتماع لـ"الآخرين" بوصفهم الفئات التي تستثنيها بعض المجتمعات منها لأنها تتصف بصفات (غير جيدة) لا تمكنّها من الاختلاط معها.

 

النتيجة مفاجئة وبنيوية، لأن معرفة "الذات" تقوم بشكل كبير على معرفة "الآخر" الذي يفترض أنه يشكل نقيضنا حتى لو وجدنا نقاطاً للتلاقي معه. ولأن تحديد هوية هذا الآخر يساعد على تشكيل الهوية الفردية والوطنية، وحتى على تحديد سلم القيم. المفاجأة ليست في إعادة اكتشاف تدني مستوى الخطاب الإعلامي، ومهارة كلّ فريق في إيجاد أبشع الصفات ليطلقها على الآخر، بل في أن كلا منهم يدّعي أن ما يقوم به من "كشف" للآخر هو مهمة وطنية.

 

نحن هنا لسنا أمام مجرد رفض للآخر- المواطن، بل نفي له، من خلال وصفه بالأوصاف التي نطلقها عادة على الآخر- الغربي أو الآخر- العدو. أي أنه عوض الارتقاء في الخطاب باتجاه الاعتراف بالآخر (غير العدو)، نعمد إلى نفي الشريك في الوطن. وعندما تكون هذه هي الحالة، يجب قرع ناقوس الخطر. وهذا ما حاولت الدراسات الست أن تفعله من خلال تسليط الضوء على العناوين الرئيسة التي أحدثت شرخاً في المجتمعات، وجعلت بعض الفئات تطلق على الآخر صفات دونية لتنزع عنها الشرعية الوطنية والاجتماعية... وحتى الدينية.

 

ملاحظة ثانية لا تقلّ أهمية، هي أن هذا الخطاب التخويني والتكفيري، ورد في وسائل الإعلام الجماهيرية. أي أنه حظي بانتشار واسع في أوساط المواطنين الذين لم  يكن بد لهم من أن يتأثروا بما يرد فيه، مهما كان حجم هذا التأثير.

 

وهنا يبرز دور وسائل الإعلام، الذي يفترض من حيث المبدأ أن يكون خبرياً، موضوعياً وتحليلياً يحترم عقل القارئ ولا يلعب على غرائزه. بل إن المطلوب من وسائل الإعلام، فيما يسمى بأوقات الأزمات، (وخصوصاً لأن بعض أوراق العمل درست الصحافة خلال فترات احتقان سياسي)، المزيد من التحلي بروح المسؤولية. لكن النتيجة كشفت أن الجرائد، وغيرها من وسائل الإعلام، شكلت أحد أسلحة الحرب المستعملة (لبنان وفلسطين) لتشويه صورة الطرف الآخر. وفي ورقة فلسطين، نقرأ أن وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية انتقال كلّ من حركتي فتح وحماس إلى النزاع المسلّح، علماً أن مسؤولية الإعلام في هذه المرحلة كان يفترض أن تكون العمل على المحافظة على النسيج الرمزي الذي يربط المواطنين في مجتمعاتهم، في وقت تتقطع فيه الأواصر الاجتماعية ويعاد فيه رسم الهويات السياسية للأطراف.

 

لكن هذه الملاحظة ليست جديدة على وسائل الإعلام العربية. وتكشف الدراسات، التي عرضت في معظمها، لتاريخ تطوّر الصحافة في كلّ دولة، والقوانين التي ترعاها، صعوبة التفاؤل بوضع أفضل. فالممارسة أثبتت أن الصحافة لا تزال بنظر السياسيين وسيلة من وسائل الوصول إلى السلطة والاستمرار فيها، وليست مهنة لها قواعدها وشروطها... ومواثيقها الأخلاقية التي يفترض الالتزام بها. وهذا ما لم تغفله الدراسات المرفقة، بل إن بعضها (مصر) طالب به، وقدّمه حلاً للخروج من الواقع الحالي.

 

نستعرض في ما يلي أبرز ما ورد في أوراق العمل، من عوامل شكلت سبباً للانقسام بين أبناء الوطن الواحد، مع ملاحظة اختلاف التجربة الجزائرية بسبب اختلاف ظروف نشأة هذه الدولة وتحقيقها لاستقلالها.

 

فلسطين

في فلسطين، تنطلق ورقة البحث الفلسطينية التي أعدها الصحفي وليد العمري، مدير مكتب قناة الجزيرة في فلسطين، من "مصيبة الانتخابات التشريعية الفلسطينية" أولاً، و"الأيام الأولى التي أعقبت قرار تأجيل تقديم تقرير غولدستون إلى مجلس حقوق الإنسان" ثانياً. حيث تلاحظ الدراسة أن الانتخابات أنتجت تحوّلاً في الخطاب الإعلامي والسياسي "مهّد الطريق لصدام مسلح على السلطة بين حركتي فتح وحماس". وطغى الوضع الداخلي للصراع بين فتح وحماس على غيره، ومنه الصراع مع دولة الاحتلال، إسرائيل. واعتمد كلّ من الطرفين مختلف الوسائل من أجل نفي الآخر وتشويه صورته. فاستخدم الدين كما استخدمت التقنيات الإعلامية وصولاً إلى الأفلام الكرتونية. واستخدمت اللغة كما استخدم التاريخ، حتى "بدت فتح وكوادرها عملاء وكفارا وفاسدين في خطاب حركة حماس، فيما أصبحت حماس وكوادرها مشعوذين وقتلة ودمويين في خطاب فتح (...) وبين تقديس أفعال الأنا، وشيطنة أفعال الآخر، نجحت صحافة الجانبين في تعميق الكراهية ونفي الآخر، على نحو زاد الفجوة بين الجانبين بدل أن تساعد في التقريب بين وجهات النظر وتسهل المصالحة وعودة اللحمة، بدل أن تعمّق الانقسام".

 

ولاحظت الدراسة أن الإعلام "غيّب الآخر من المشهد الوطني العام، وإن ذكره كان ذلك بتخوينه أو تكفيره وشيطنة صورته. لم يلتفت إلى أن هذا الآخر حي يتنفس ويتقدم ويسير إلى الأمام في بعض الأحيان. لم يحتكم هذا أو ذاك إلى لغة العقل والتسامح".

 

لبنان

كما في فلسطين، كذلك في لبنان، بحثت الدراسة في مضامين الصحافة اللبنانية خلال فترة "انفجار" سياسي بدأ مع

اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، وخروج القوات السورية من لبنان في 26 نيسان 2005.

 

حدثان شكلا برأي الباحثين وفيق الهواري وفؤاد الديراني "انهيار نسخة النظام الطائفي التي تمّ التوافق عليها بعد اتفاق الطائف". وخلال السنوات التي تلت ازدادت حدة الاحتقان التي برزت في التظاهرات المليونية، وصولاً إلى اتخاذ الحكومة اللبنانية في 4 أيار 2009 قرارين رأى فيهما فريق 8 آذار إعلان حرب عليه ويهدفان إلى فتح اشتباك مسلح بين الجيش وقوى الأمن وبين قوى حزب الله. فقامت قوات حزب الله يوم 7 أيار 2009 بحركة عسكرية واسعة سيطرت فيها على جميع النقاط الإستراتيجية في العاصمة بيروت واحتلت مقرات قوى 14 آذار.

 

في الشهر الأخير، "انعكست التطورات السياسية بشكل كثيف على جميع وسائل الإعلام التي تحوّلت إلى منابر إعلامية لمختلف القوى السياسية وتخلت عن موضوعيتها وحياديتها. وصارت أبواقاً لا تمت إلى مهنة الصحافة بصلة بل كانت صحافة حزبية شعبوية".

 

هذا ما بيّنته الدراسة التي حاولت أيضاً إيضاح معالم الهوية الخاصة بالطرف الذي تحاول هذه الوسيلة الإعلامية النطق باسمه، وبالتالي يكون الطرف الآخر نقيض الصورة التي ترسمها لنفسها. فحددت الأصدقاء والخصوم لكل جريدة خضعت للدراسة وهي ثلاث: جريدة المستقبل، التابعة لـ"تيار المستقبل" و"الأخبار" التي "تعرّف عن نفسها كصحيفة يسارية، و"النداء" أو مجلة الحزب الشيوعي.

 

ولاحظت الدراسة غياب "الصحافة المراقبة الحيادية، التي يفترض أن تشكل مساحة لكافة الآراء من أجل إغناء البحث في قضايا الناس المعيشية والسياسية والاجتماعية، وأن تعمل على صون الاختلاف والتعاطي معه كمصدر للغنى والترافد. وبدلاً من كل ذلك بات الإعلام بمثابة إعلام حربي تحريضي يطمح إلى مد الناس بدليل عمل وينتظر فهم الجهوزية والامتثال". ولفتت الدراسة إلى أن "عملية حشد الأنصار، التي تقوم على تمجيد الذات والحطّ من قيمة الآخر، كانت تؤدي إلى نتيجة مزدوجة: تكتيل الأنصار والخصوم على حد سواء؛ إذ إن الأنصار سوف يتوحدون بصفتهم الجمهور "الأفضل" و"الأكثر قدرة على التغيير" و"الأشد تمسكاً بمصالح البلد والناس"... أما الخصوم فسوف توحدهم مسألة اعتبارهم "مضللين" و"متآمرين" و"تابعين"؛ والحال إن آليات الخطاب المتبع تؤشر إلى أن استنفار أي طائفة هو استنفار لكلّ الطوائف".

 

اليمن

التكفير أسلوب اعتمدته أيضاً الصحافة اليمنية، وفق ما يرى كلّ من الباحثين قادري أحمد حيدر والأستاذ الدكتور محمد أحمد علي المخلافي. دراستهما لاحظت أن أطراف العنف تلتقي حول مشترك واحد: تخوين الآخر أو تكفيره من خلال الدعوة للكراهية الوطنية والدينية وللحرب ضد الآخر، علماً أن "الآخر اليوم، بالنسبة للسلطة وحلفائها لم يعد اليسار وحده"، بل هو آخر سياسي وديني واجتماعي وثقافي. الدراسة التي بحثت في ثلاثة نماذج، يعكس أحدها خطاب السلطة، والثاني موقف اليسار المعارض، والثالث موقفاً سياسياً وسطياً من منطلق ديني حاولت الإجابة عن سؤالين رئيسين: هل تجسّد الصحافة اليمنية في مضامينها النهج الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان من التسامح في الخطاب بالقبول بالآخر؟ أم إنها تشيع التعصب والاستئثار ورفض الآخر؟

 

وقد توصلت الدراسة إلى اختلاف جوهري في الموقف من الآخر بين هذه الصحف، فصحيفة الثورة الحكومية لا تقبل بالآخر السياسي والديني، بخلاف ما تفعله صحيفتا الثوري (الحزبية) والبلاغ (المستقلة). ومن أبرز ما أوصى به الباحثان تحقيق استقلالية لوسائل الإعلام العامة بما يمنع استخدامها من قبل الحكومة وحزبها ضد أحزاب المعارضة، والآخر السياسي، والديني.

السودان

في ورقة السودان التي أعدها كلّ من رشا عوض وسهير مهدي، بإشراف عثمان حسن محمد، نقع على أربع قضايا خلافية، واحدة منها يشكل الآخر فيها، المجتمع الدولي عبر المحكمة الجنائية الدولية أما القضايا الباقية فكانت محل سجال داخلي. هذه القضايا هي قرار محكمة الجنايات الدولية بإصدار مذكرة توقيف ضد الرئيس السوداني بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، تكفير رئيس الكتلة البرلمانية للحركة الشعبية لتحرير السودان السيد ياسر عرمان، تنفيذ أحكام الإعدام في قتلة الصحفي محمد طه محمد أحمد، وأخيراً إصدار مجمع الفقه الإسلامي السوداني فتوى بجواز زواج المسيار.

 

وكان أحد أهداف الدراسة رصد درجة التسامح في الصحف السودانية، من خلال اختيار ثلاث صحف (الرأي العام، الانتباهة، أجراس الحرية)، وتم رصد ما نشرته هذه الصحف في ثلاثة أشهر متتالية.

 

النتيجة أبرزت أيضاً فروقا في حجم التسامح، بين جريدة وأخرى، وقضية وأخرى. واانطلاقا من قضية محكمة الجنايات الدولية، لاحظت الباحثتان غياب التسامح في جريدتي الرأي العام، الداعمة للخط الحكومي، والانتباهة التي يصدرها منبر السلام العادل. في حين أظهرت صحيفة أجراس الحرية "درجة معقولة من التسامح".

أما في قضية تكفير ياسر عرمان فقد التزمت الرأي العام "جانب المهنية في تغطية الخبر حيث أوردت كل وجهات النظر وتجاهلت الخطاب التكفيري في تغطيتها الإخبارية"، في حين غلب الطابع الحزبي على صحيفة أجراس الحرية فلم تورد رأيا آخر (معارض) لياسر عرمان. أما نماذج متابعة القضية في الانتباهة فكشفت "التحريض والدعوة للعنف مستخدمة إثارة العواطف الدينية وسلاح التكفير في التعبئة ضد الرأي الآخر".

 

على الرغم من ذلك تلفت الدراسة إلى أنه في الفترة الزمنية التي تم فيها رصد مادة البحث، "كانت الصحافة السودانية تخضع لرقابة من جهاز الأمن والمخابرات الوطني؛ وبالتالي لم يكن متاحا للرأي المخالف لوجهة نظر الحزب الحاكم الظهور في الصحف كاملاً ومفصلاً، لاسيما في قضايا محكمة الجنايات الدولية، حكم الإعدام على منفذي هجوم حركة العدل والمساواة وتنفيذ حكم الإعدام في قتلة الصحفي محمد طه محمد أحمد". لذلك خلصت الباحثتان إلى أن "رصد ما ينشر في الصحف السودانية في ظل الرقابة المستمرة حتى الآن يعكس صورة جزئية وناقصة عن اتجاهات الرأي العام في البلاد، والأثر المباشر لذلك على بحثنا هو عدم ظهور حالات (اللاتسامح) في الرأي المعارض لأن حالات اللاتسامح حسب المعايير الواردة في المقدمة تشمل الخطاب الحكومي والمعارض".

 

مصر

هذا ما أشارت إليه بشكل واضح الورقة المصرية، حيث ورد فيها إن الصحافة "تعاني بشكل عام عدة إشكاليات في عملها تتضمن وجود اتجاهات في الصحف القومية التي تسيطر عليها الدولة لممارسة التمييز والتعصب ضد أي "آخر" لا يرضى عنه النظام السياسي، ويتكرر نفس الموقف في الصحف الحزبية في التمييز ضد الآخر، بينما يتباين موقف الصحف الخاصة وفقا لمصالحها، بالإضافة إلى وجود نقص في تفعيل مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية والتي تعنى بضرورة قيام الصحفي باحترام الرأي الآخر عند إعداده لموضوعاته الصحفية، وكذلك استمرار سياسة حجب المعلومات التي تتبعها أجهزة الدولة في تعاملها مع الصحافة، وعدم قدرة الصحفيين في بعض الأحيان الوصول إلى معلومات موثقة".

 

ويلفت في ورقة مصر التي شارك في إعدادها كلّ من محمد زارع، عماد حجاب، محمود بسيوني وعاطف حافظ إلى أن قضايا حقوق الإنسان بصفة عامة "لا تلقى الاهتمام الجاد في التناول الصحفي". مشيرة إلى غياب الاهتمام بعدد من القضايا مثل مطالب أبناء النوبة أو معاناة بعض الشرائح الاجتماعية الضعيفة مثل عمال التراحيل... هذا في وقت "نالت فيه قضايا الاحتقان الطائفي بين المسلمين والمسيحيين، وكذا قضية الأوراق الثبوتية الخاصة بالبهائيين اهتماماً كبيراً في الصحافة المصرية، ولكنها ركزت في العادة على تأثيرها في علاقات الحكومة المصرية على الصعيد الدولي وأثر هذه الأزمات على موقف الأطراف الأجنبية منها". كما تلقي الصراعات الإقليمية بتداعياتها على تناول الصحف للانقسامات المذهبية المتزايدة بين السنة والشيعة التي تشهدها المنطقة في سياق ما بعد غزو العراق وتزايد الدور الإيراني وقضية حزب الله والصراع الإقليمي على الأدوار في المنطقة، ولاحظت الدراسة أن هذا يتم "من دون معالجة تعتمد على مبادئ ومقومات المواطنة كأساس إشكاليات بناء الدولة العربية القطرية بغض النظر عن الانتماء الديني والعرقي".

 

وقد توصلت الدراسة في تحليلها لمضمون الصحف التي اختارتها (الأهرام، المصري اليوم والأحرار) إلى عدم وجود التزام لدى الصحف الثلاث بنشر مفاهيم التسامح الواردة في الإعلان الدولي لمنظمة اليونسكو. مع وجود تفاوت في تناول الصحف الثلاث لقيم التسامح المتعلقة باحترام الآخر وقبوله ورفض تهميش الفئات الضعيفة أو استبعادها من المشاركة السياسية والتمييز ضدها.

 

الجزائر

أما ورقة الجزائر فتبدو مختلفة، ربما لاختلاف نشأة هذه الدولة وصحافتها أيضاً. وهذا ما أشار إليه الباحث عروس الزبير حين يقول إن دراسة صورة الآخر المخالف في الصحافة الجزائرية، (والذي سنكتشف أنه الآخر الديني)، تتطلب "استرجاع الغائب من التاريخ". فالصحافة الجزائرية التي تعود فترة تأسيسها إلى المرحلة الاستعمارية، عانت من نخبة من الصحافيين أسست لصور نمطية تجاه الآخر الأصلي تقوم على الأحكام المسبقة.

 

وجهدت هذه النخبة لتنفيذ تصوراتها بالعمل على تفكيك هياكل المجتمع العربي التقليدية، ثم العمل على أساس حكم مسبق عبر تاريخ مفاده أنه بعد الاحتلال: "لم يعد هناك ما يطلق عليه الشعب العربي بل هناك أناس يتحدثون لغة غير لغتنا". خطاب ترافق مع عمليات "تنصير" كان يقوم بها المستعمر الفرنسي.

 

انطلاقاً من هذا التاريخ، يمكن فهم خلفية الجريدتين الأكثر توزيعاً، الشروق والخبر، في تعاملهما مع عودة ظاهرة التنصير من جديد التي أصبحت قضية وطنية. هذه الظاهرة عادت إلى الساحة السياسية بعد سنة 1989 وأصبحت إحدى الكلمات المفتاحية في خطاب أصحاب المشروع الإسلامي البديل. وكان للخطاب الصحفي الدور الأوفر في إعادة تأجيجها وبخاصة خطاب صحافة الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية".

 

وقد تعرض الباحث للطريقة التي تعاملت بها الصحافة الجزائرية مع انتشار ظاهرة الراغبين بتغيير ديانتهم، والتي يمكن وصفها بالحملة على الأفراد من جهة، والمؤسسات أو الدول التي قد تكون خلفهم.

 

إلا أن اللافت في الدراسة أنها تورد الآراء الأخرى، التي تتيحها الصحف من خلال ردود القراء على مواقعها الإلكترونية، وهي تختم بأحدها: "الدين لله، والجزائر للجزائريين...، لماذا لا تجعلون الجزائر ملكا للمسلمين...، التنصير في الجزائر يعود إلى أكثر من 14 قرناً...، اتركوا الأشخاص يعتقدون ويؤمنون بما يريدون بما أنهم لا يؤذون أحداً.

 

9

 

اخر الاخبار

الدخول